ابن قيم الجوزية

65

الروح

حواصل طير خضر ترد أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها وأخبر أن الروح تنعم وتعذب في البرزخ « 1 » إلى يوم القيامة . وقد أخبر سبحانه عن أرواح قوم فرعون أنها تعرض على النار غدوا وعشيا قبل يوم القيامة « 2 » ، وقد أخبر سبحانه عن الشهداء بأنهم احياء عند ربهم يرزقون وهذه حياة أرواحهم ورزقها دار ، وإلا فالأبدان قد تمزقت ، وقد فسر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم هذه الحياة بأن أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى تلك القناديل ، فاطلع إليهم ربهم اطلاعه فقال : هل تشتهون شيئا ؟ قالوا : أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا فعلى بهم ذلك ثلاث مرات ، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا : نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى . ( وصح ) عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن أرواح الشهداء في طير خضر تعلق من ثمر الجنة وتعلق بصنم اللام أي تأكل العلقة . وقال ابن عباس : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : لما أصيب إخوانكم بأحد ، جعل اللّه أرواحهم في أجوف طير خضر ترد أنها الجنة ، وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش ، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا : يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع اللّه لنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا يتكلموا عن الحرب ، فقال اللّه عز وجل : أنا أبلغكم عنكم فأنزل اللّه تعالى على رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ « 3 » الآيات ، رواه الإمام أحمد ، وهذا صريح

--> - حضرت كعبا الوفاة أتته أم بشر بن البراء بن معرور فقالت : يا أبا عبد الرحمن إن لقيت فلانا فأقرأ عليه مني السلام ، قال : غفر اللّه لك يا أم بشر ، نحن أشغل من ذلك ، قالت : يا أبا عبد الرحمن أما سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول : « إن أرواح المؤمنين في طير خضر تعلق بشجر الجنة » قال : بلى ، قالت : فهو ذاك . ( 1 ) البرزخ : هو الحاجز بين الشيئين ، وهو أيضا ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث ، فمن مات فقد دخل البرزخ . ( 2 ) قال تعالى في سورة غافر ، الآية 46 : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ . ( 3 ) سورة آل عمران ، الآية 169 .